فصل: تفسير الآية رقم (76):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الجامع لأحكام القرآن والمبين لما تضمنه من السنة وآي الفرقان المشهور بـ «تفسير القرطبي»



.تفسير الآية رقم (76):

{وَإِنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْها وَإِذاً لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلاَّ قَلِيلاً (76)}
هذه الآية قيل إنها مدنية، حسبما تقدم في أول السورة. قال ابن عباس: حسدت اليهود مقام النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالمدينة فقالوا: إن الأنبياء إنما بعثوا بالشام، فإن كنت نبيا فالحق بها، فإنك إن خرجت إليها صدقناك وآمنا بك، فوقع ذلك في قلبه لما يحب من إسلامهم، فرحل من المدينة على مرحلة فأنزل الله هذه الآية.
وقال عبد الرحمن بن غنم: غزا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غزوة تبوك لا يريد إلا الشام، فلما نزل تبوك نزل {وَإِنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ} بعد ما ختمت السورة، وأمر بالرجوع.
وقيل: إنها مكية. قال مجاهد وقتادة: نزلت في هم أهل مكة بإخراجه، ولو أخرجوه لما أمهلوا ولكن الله أمره بالهجرة فخرج، وهذا أصح، لان السورة مكية، ولان ما قبلها خبر عن أهل مكة، ولم يجر لليهود ذكر. وقول: {مِنَ الْأَرْضِ} يريد أرض مكة. كقوله: {فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ} أي أرض مصر، دليله {وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ} يعني مكة. معناه: هم أهلها بإخراجه، فلهذا أضاف إليها وقال: {أَخْرَجَتْكَ}.
وقيل: هم الكفار كلهم أن يستخفوه من أرض العرب بتظاهرهم عليه فمنعه الله، ولو أخرجوه من أرض العرب لم يمهلوا، وهو معنى قوله: {وَإِذاً لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلَّا قَلِيلًا}، وقرأ عطاء ابن أبي رباح {لا يلبثون} الباء مشددة، {خلفك} نافع وابن كثير وأبو بكر وأبو عمرو، ومعناه بعدك، وقرأ ابن عامر وحفص وحمزة والكسائي {خِلافَكَ} واختاره أبو حاتم، اعتبارا بقوله: {فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ} ومعناه أيضا بعدك، قال الشاعر:
عفت الديار خلافهم فكأنما ** بسط الشواطب بينهن حصيرا

بسط البواسط، في الماوردي، يقال: شطبت المرأة الجريد إذا شفقة لتعمل منه الحصر- قال أبو عبيد: ثم تلقيه الشاطبة إلى المنقية.
وقيل: {خلفك} بمعنى بعدك و{خِلافَكَ} بمعنى مخالفتك، ذكره ابن الأنباري، {إِلَّا قَلِيلًا} فيه وجهان: أحدهما- أن المدة التي لبثوها بعده ما بين إخراجهم له إلى قتلهم يوم بدر، وهذا قول من ذكر أنهم قريش الثاني- ما بين ذلك وقتل بني قريظة وجلاء بنى النضير، وهذا قول من ذكر أنهم اليهود.

.تفسير الآية رقم (77):

{سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنا وَلا تَجِدُ لِسُنَّتِنا تَحْوِيلاً (77)}
قوله تعالى: {سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنا} أي يعذبون كسنة من قد أرسلنا، فهو نصب بإضمار يعذبون، فلما سقط الخافض عمل الفعل، قاله الفراء، وقيل: انتصب على معنى سننا سنة من قد أرسلنا، وقيل: هو منصوب على تقدير حذف الكاف، التقدير لا يلبثون خلفك إلا قليلا كسنة من قد أرسلنا، فلا يوقف على هذا التقدير على قوله: {إِلَّا قَلِيلًا} ويقف على الأول والثاني. {قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنا} وقف حسن، {وَلا تَجِدُ لِسُنَّتِنا تَحْوِيلًا} أي لا خلف في وعدها.

.تفسير الآية رقم (78):

{أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً (78)}
فيه سبع مسائل:
الأولى: قوله تعالى: {أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ} لما ذكر مكايد المشركين أمر نبيه عليه السلام بالصبر والمحافظة على الصلاة، وفيها طلب النصر على الاعداء. ومثله {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ، فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ}. وتقدم القول في معنى إقامة الصلاة في أول سورة البقرة. وهذا الآية بإجماع من المفسرين إشارة إلى الصلوات المفروضة. واختلف العلماء في الدلوك على قولين: أحدهما- أنه زوال الشمس عن كبد السماء، قاله عمر وابنه وأبو هريرة وابن عباس وطائفة سواهم من علماء التابعين وغيرهم.
الثاني- أن الدلوك هو المغرب، قاله على وابن مسعود وأبى بن كعب، وروى عن ابن عباس. قال الماوردي: من جعل الدلوك اسما لغروبها فلان الإنسان يدلك عينيه براحته لتبينها حالة المغيب، ومن جعله اسما لزوالها فلانه يدلك عينيه لشدة شعاعها.
وقال أبو عبيد: دلوكها غروبها. ودلكت براح يعني الشمس، أي غابت وأنشد قطرب:
هذا مقام قدمي رباح ** ذبب حتى دلكت براح

براح بفتح الباء على وزن حزام وقطام ورقاس اسم من أسماء الشمس. ورواه الفراء بكسر الباء وهو جمع راحة وهى الكف، أي غابت وهو ينظر إليها وقد جعل كفه على حاجبه. ومنه قوله العجاج:
والشمس قد كادت تكون دنفا ** أدفعها بالراح كي تزحلفا

قال ابن الاعرابي: الزحلوفة مكان منحدر أملس، لأنهم يتزحلفون فيه. قال: والزحلفة كالدحرجة والدفع، يقال: زحلفته فتزحلف. ويقال: دلكت الشمس إذا غابت. قال ذو الرمة:
مصابيح ليست باللواتي تقودها ** نجوم ولا بالآفلات الدوالك

قال ابن عطية: الدلوك هو الميل- في اللغة- فأول الدلوك هو الزوال وآخره هو الغروب. ومن وقت الزوال إلى الغروب يسمى دلوكا، لأنها في حالة ميل. فذكر الله تعالى الصلوات التي تكون في حالة الدلوك وعنده، فيدخل في ذلك الظهر والعصر والمغرب، ويصح أن تكون المغرب داخلة في غسق الليل. وقد ذهب قوم إلى أن صلاة الظهر يتمادى وقتها من الزوال إلى الغروب، لأنه سبحانه علق وجوبها على الدلوك، وهذا دلوك كله، قاله الأوزاعي وأبو حنيفة في تفصيل. وأشار إليه مالك والشافعي في حالة الضرورة.
الثانية: قوله تعالى: {إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ} روى مالك عن ابن عباس قال: دلوك الشمس ميلها، وغسق الليل اجتماع الليل وظلمته.
وقال أبو عبيدة: الغسق سواد الليل. قال ابن قيس الرقيات:
إن هذا الليل قد غسقا ** واشتكيت الهم والأرقا

وقد قيل: غسق الليل مغيب الشفق.
وقيل: إقبال ظلمته. قال زهير:
ظلت تجود يدها وهي لاهية ** حتى إذا جنح الاظلام والغسق

يقال: غسق الليل غسوقا. والغسق اسم بفتح السين. واصل الكلمة من السيلان، يقال: غسقت العين إذا سالت، تغسق. وغسق الجرح غسقانا، أي سال منه ماء أصفر. وأغسق المؤذن، أي أخر المغرب إلى غسق الليل. وحكى الفراء: غسق الليل وأغسق، وظلم أظلم، ودجا وأدجى، وغبس وأغبس، وغبش وأغبش. وكان الربيع بن خثيم يقول لمؤذنه في يوم غيم: أغسق أغسق. يقول: أخر المغرب حتى يغسق الليل، وهو إظلامه.
الثالثة: اختلف العلماء في آخر وقت المغرب، فقيل: وقتها وقت واحد لا وقت لها إلا حين تحجب الشمس، وذلك بين في إمامة جبريل، فإنه صلاها باليومين لوقت واحد وذلك غروب الشمس، وهو الظاهر من مذهب مالك عند أصحابه. وهو أحد قولي الشافعي في المشهور عنه أيضا وبه قال الثوري.
وقال مالك في الموطأ: فإذا غاب الشفق فقد خرجت من وقت المغرب ودخل وقت العشاء. وبهذا قال أبو حنيفة وأصحابه والحسن بن حي وأحمد وإسحاق وأبو ثور وداود، لان وقت الغروب إلى الشفق غسق كله. ولحديث أبى موسى، وفيه: أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صلى بالسائل المغرب في اليوم الثاني فأخر حتى كان سقوط الشفق. خرجه مسلم. قالوا: وهذا أولى من أخبار إمامة جبريل، لأنه متأخر بالمدنية وإمامة جبريل بمكة، والمتأخر أولى من فعله وأمره، لأنه ناسخ لما قبله. وزعم ابن العربي أن هذا القول هو المشهور من مذهب مالك، وقوله في موطئة الذي أقرأه طول عمره وأملاه في حياته. والنكتة في هذا أن الأحكام المتعلقة بالأسماء هل تتعلق بأوائلها أو بآخرها أو يرتبط الحكم بجميعها؟ والأقوى في النظر أن يرتبط الحكم بأوائلها لئلا يكون ذكرها لغوا فإذا ارتبط بأوائلها جرى بعد ذلك النظر في تعلقه بالكل إلى الآخر. قلت: القول بالتوسعة أرجح. وقد خرج الامام الحافظ أبو محمد عبد الغنى بن سعيد من حديث الأجلح بن عبد الله الكندي عن أبى الزبير عن جابر قال: خرج رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من مكة قريبا من غروب الشمس فلم يصل المغرب حتى أتى سرف، وذلك تسعة أميال. وأما القول بالنسخ فليس بالبين وإن كان التاريخ معلوما، فإن الجمع ممكن. قال علماؤنا: تحمل أحاديث جبريل على الأفضلية في وقت المغرب، ولذلك اتفقت الامة فيها على تعجيلها والمبادرة إليها في حين غروب الشمس. قال ابن خويز منداد: ولا نعلم أحدا من المسلمين تأخر بإقامة المغرب في مسجد جماعة عن وقت غروب الشمس. وأحاديث التوسعة تبين وقت الجواز، فيرتفع التعارض ويصح الجمع، وهو أولى من الترجيح باتفاق الأصوليين، لان فيه إعمال كل واحد من الدليلين، والقول بالنسخ أو الترجيح فيه إسقاط أحدهما. والله اعلم.
الرابعة: قوله تعالى: {وَقُرْآنَ الْفَجْرِ} انتصب {قُرْآنَ} من وجهين: أحدهما أن يكون معطوفا على الصلاة، المعنى: واقم قرآن الفجر أي صلاة الصبح، قاله الفراء.
وقال أهل البصرة. انتصب على الإغراء، أي فعليك بقرآن الفجر، قال الزجاج. وعبر عنها بالقرآن خاصة دون غيرها من الصلوات، لان القرآن هو أعظمها، إذ قراءتها طويلة مجهور بها حسبما هو مشهور مسطور، عن الزجاج أيضا. قلت: وقد استقر عمل المدينة على استحباب إطالة القراءة في الصبح قدرا لا يضر بمن خلفه- يقرأ فيها بطوال المفصل، ويليها في ذلك الظهر والجمعة- وتخفيف القراءة في المغرب وتوسطها في العصر والعشاء. وقد قيل في العصر: إنها تخفف كالمغرب. وأما ما ورد في صحيح مسلم وغيره من الإطالة فيما استقر فيه التقصير، أو من التقصير فيما استقرت فيه الإطالة، كقراءته في الفجر المعوذتين- كما رواه النسائي- وكقراءة الأعراف والمرسلات والطور في المغرب، فمتروك بالعمل. ولإنكاره على معاذ التطويل، حين أم قومه في العشاء فافتتح سورة البقرة. خرجه الصحيح. وبأمره الأئمة بالتخفيف فقال: «أيها الناس إن منكم منفرين فأيكم أم الناس فليخفف فإن فيهم الصغير والكبير والمريض والسقيم والضعيف وذا الحاجة». وقال: «فإذا صلى أحدكم وحده فليطول ما شاء». كله مسطور في صحيح الحديث.
الخامسة: قوله تعالى: {وَقُرْآنَ الْفَجْرِ} دليل على أن لا صلاة إلا بقراءة، لأنه سمى الصلاة قرآنا. وقد اختلف العلماء في القراءة في الصلاة فذهب جمهورهم إلى وجوب قراءة أم القرآن للإمام والقذ في كل ركعة. وهو مشهور قول مالك. وعنه أيضا أنها واجبة في جل الصلاة. وهو قول إسحاق. وعنه أيضا تجب في ركعة واحدة، قاله المغيرة وسحنون. وعنه أن القراءة لا تجب في شيء من الصلاة. وهو أشذ الروايات عنه. وحكى عن مالك أيضا أنها تجب في نصف الصلاة، وإليه ذهب الأوزاعي. وعن الأوزاعي أيضا وأيوب أنها تجب على الامام والفذ والمأموم على كل حال. وهو أحد قولي الشافعي. وقد مضى في الفاتحة مستوفى.
السادسة: قوله تعالى: {كانَ مَشْهُوداً} روى الترمذي عن أبى هريرة عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في قوله: {وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً} قال: «تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار» هذا حديث حسن صحيح. ورواه علي بن مسهر عن الأعمش عن أبى صالح عن أبى هريرة وأبى سعيد عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وروى البخاري عن أبى هريرة عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم قال: «فضل صلاة الجميع على صلاة الواحد خمس وعشرون درجة وتجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار في صلاة الصبح». يقول أبو هريرة: اقرءوا إن شئتم {وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً}. ولهذا المعنى أيضا قال مالك والشافعي: التغليس بالصبح أفضل.
وقال أبو حنيفة: الأفضل الجمع بين التغليس والاسقار، فإن فاته ذلك فالاسفار أولى من التغليس. وهذا مخالف لما كان عليه السلام يفعله من المداومة على التغليس، وأيضا فإن فيه تفويت شهود ملائكة الليل. والله اعلم.
السابعة: استدل بعض العلماء بقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: «تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار على أن صلاة الصبح ليست من صلاة الليل ولا من صلاة النهار». قلت: وعلى هذا فلا تكون صلاة العصر أيضا لا من صلاة الليل ولا من صلاة النهار، فإن في الصحيح عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الفصيح عليه السلام فيما رواه أبو هريرة: «يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار فيجتمعون في صلاة العصر وصلاة الفجر» الحديث. ومعلوم أن صلاة العصر من النهار فكذلك تكون صلاة الفجر من الليل وليس كذلك، وإنما هي من النهار كالعصر بدليل الصيام والايمان، وهذا واضح.

.تفسير الآية رقم (79):

{وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً (79)}
فيه ست مسائل:
الأولى: قوله تعالى: {مِنَ اللَّيْلِ} {مِنَ} للتبعيض. والفاء في قوله: {فَتَهَجَّدْ} ناسقة على مضمر، أي قم فتهجد. {بِهِ} أي بالقرآن. والتهجد من الهجود وهو من الأضداد. يقال: هجد نام، وهجد سهر، على الضد. قال الشاعر:
ألا زارت أهل منى هجود ** وليت خيالها بمنى يعود

آخر:
ألا طرقتنا والرفاق هجود ** فباتت بعلات النوال تجود

يعنى نياما. وهجد وتهجد بمعنى. وهجدته أي أنمته، وهجدته أي أيقظته. والتهجد التيقظ بعد رقدة، فصار اسما للصلاة، لأنه ينتبه لها. فالتهجد القيام إلى الصلاة من النوم. قال معناه الأسود وعلقمة وعبد الرحمن بن الأسود وغيرهم.
وروى إسماعيل بن إسحاق القاضي من حديث الحجاج بن عمر صاحب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: أيحسب أحدكم إذا قام من الليل كله أنه قد تهجد! إنما التهجد الصلاة بعد رقدة ثم الصلاة بعد رقدة ثم الصلاة بعد رقدة. كذلك كانت صلاة رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وقيل: الهجود النوم. يقال: تهجد الرجل إذا سهر، وألقى الهجود وهو النوم. ويسمى من قام إلى الصلاة متهجدا، لان المتهجد هو الذي يلقى الهجود الذي هو النوم عن نفسه. وهذا الفعل جار مجرى تحوب وتحرج وتأثم وتحنث وتقذر وتنجس، إذا ألقى ذلك عن نفسه. ومثله قوله تعالى: {فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ} معناه تندمون، أي تطرحون الفكاهة عن أنفسكم، وهى انبساط النفوس وسرورها. يقال: رجل فكه إذا كان كثير السرور والضحك. والمعنى في الآية: ووقتا من الليل اسهر به في صلاة وقراءة.
الثانية: قوله تعالى: {نافِلَةً لَكَ} أي كرامة لك، قاله مقاتل. واختلف العلماء في تخصيص النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالذكر دون أمته، فقيل: كانت صلاة الليل فريضة عليه لقوله: {نافِلَةً لَكَ} أي فريضة زائدة على الفريضة الموظفة على الامة. قلت: وفى هذا التأويل بعد لوجهين: أحدهما- تسمية الفرض بالنفل، وذلك مجاز لا حقيقة.
الثاني- قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: «خمس صلوات فرضهن الله على العباد»، وقوله تعالى: «هن خمس وهن خمسون» {ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ} وهذا نص، فكيف يقال: افترض عليه صلاة زائدة على خمس، هذا ما لا يصح، وإن كان قد روى عنه عليه السلام: «ثلاث علي فريضة ولامتي تطوع قيام الليل والوتر والسواك».
وقيل: كانت صلاة الليل تطوعا منه وكانت في الابتداء واجبة على الكل، ثم نسخ الوجوب فصار قيام الليل تطوعا بعد فريضة، كما قالت عائشة، على ما يأتي مبينا في سورة المزمل إن شاء الله تعالى. وعلى هذا يكون الامر بالتنفل على جهة الندب ويكون الخطاب للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لأنه مغفور له. فهو إذا تطوع بما ليس بواجب عليه كان ذلك زيادة في الدرجات. وغيره من الامة تطوعهم كفارات وتدارك لخلل يقع في الفرض، قال معناه مجاهد وغيره.
وقيل: عطية، لان العبد لا ينال من السعادة عطاء أفضل من التوفيق في العبادة.
الثالثة: قوله تعالى: {عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً} اختلف في المقام المحمود على أربعة أقوال: الأول- وهو أصحها- الشفاعة للناس يوم القيامة، قاله حذيفة بن اليمان. وفى صحيح البخاري عن ابن عمر قال: إن الناس يصيرون يوم القيامة جثا كل أمة تتبع نبيها تقول: يا فلان اشفع، حتى تنتهي الشفاعة إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فذلك يوم يبعثه الله المقام المحمود. وفى صحيح مسلم عن أنس قال حدثنا محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم قال: «إذا كان يوم القيامة ماج الناس بعضهم إلى بعض فيأتون آدم فيقولون له اشفع لذريتك فيقول لست لها ولكن عليكم بإبراهيم عليه السلام فإنه خليل الله فيأتون إبراهيم فيقول لست لها ولكن عليكم بموسى فإنه كليم الله فيؤتى موسى فيقول لست لها ولكن عليكم بعيسى عليه السلام فإنه روح الله وكلمته فيؤتى عيسى فيقول لست لها ولكن عليكم بمحمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فأوتى فأقول أنا لها»وذكر الحديث.
وروى الترمذي عن أبى هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه في قوله: {عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً} سئل عنها قال: «هي الشفاعة» قال: هذا حديث حسن صحيح.
إذا ثبت أن المقام المحمود هو أمر الشفاعة الذي يتدافعه الأنبياء عليهم السلام، حتى ينتهى الامر إلى نبينا محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيشفع هذه الشفاعة لأهل الموقف ليعجل حسابهم ويراحوا من هول موقفهم، وهو الخاصة به صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولأجل ذلك قال: «أنا سيد ولد آدم ولا فخر». قال النقاش: لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثلاث شفاعات: العامة، وشفاعة في السب إلى الجنة، وشفاعة في أهل الكبائر. ابن عطية: والمشهور أنهما شفاعتان فقط: العامة، وشفاعة في إخراج المذنبين من النار. وهذه الشفاعة الثانية لا يتدافعها الأنبياء بل يشفعون ويشفع العلماء.
وقال القاضي أبو الفضل عياض: شفاعات نبينا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يوم القيامة خمس شفاعات: العامة. والثانية في إدخال قوم الجنة دون حساب.
الثالثة في قوم من موحدى أمته استوجبوا النار بذنوبهم فيشفع فيها نبينا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ومن شاء الله أن يشفع ويدخلون الجنة. وهذه الشفاعة هي التي أنكرتها المبتدعة: الخوارج والمعتزلة، فمنعتها على أصولهم الفاسدة، وهى الاستحقاق العقلي المبني على التحسين والتقبيح.
الرابعة فيمن دخل النار من المذنبين فيخرجون بشفاعة نبينا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وغيره من الأنبياء والملائكة وإخوانهم المؤمنين.
الخامسة في زيادة الدرجات في الجنة لأهلها وترفيعها، وهذه لا تنكرها المعتزلة ولا تنكر شفاعة الحشر الأول. قال القاضي عياض: وعرف بالنقل المستفيض سؤال السلف الصالح لشفاعة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ورغبتهم فيها، وعلى هذا لا يلتفت لقول من قال: إنه يكره أن تسأل الله أن يرزقك شفاعة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لأنها لا تكون إلا للمذنبين، فإنها قد تكون كما قدمنا لتخفيف الحساب وزيادة الدرجات. ثم كل عاقل معترف بالتقصير محتاج إلى العفو غير معتد بعمله مشفق أن يكون من الهالكين، ويلزم هذا القائل ألا يدعو بالمغفرة والرحمة، لأنها لأصحاب الذنوب أيضا، وهذا كله خلاف ما عرف من دعاء السلف والخلف. روى البخاري عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم قال: «من قال حين يسمع النداء اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمدا- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاما محمودا الذي وعدته، حلت له شفاعتي يوم القيامة».
القول الثاني- أن المقام المحمود إعطاؤه لواء الحمد يوم القيامة. قلت: وهذا القول لا تنافر بينه وبين الأول، فإنه يكون بيده لواء الحمد ويشفع. روى الترمذي عن أبى سعيد الخدري قال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: «أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر وبيدي لواء الحمد ولا فخر وما من نبى آدم فمن سواه إلا تحت لوائي» الحديث. القول الثالث- ما حكاه الطبري عن فرقة، منها مجاهد، أنها قالت: المقام المحمود هو أن يجلس الله تعالى محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ معه على كرسيه، وروت في ذلك حديثا. وعضد الطبري جواز ذلك بشطط من القول، وهو لا يخرج إلا على تلطف في المعنى، وفية بعد. ولا ينكر مع ذلك أن يروى، والعلم يتأوله. وذكر النقاش عن أبى داود السجستاني أنه قال: من أنكر هذا الحديث فهو عندنا متهم، ما زال أهل العلم يتحدثون بهذا، من أنكر جوازه على تأويله. قال أبو عمر ومجاهد: وإن كان أحد الأئمة يتأول القرآن فإن له قولين مهجورين عند أهل العلم: أحدهما هذا والثاني في تأويل قوله تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ. إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ} قال: تنتظر الثواب، ليس من النظر. قلت. ذكر هذا في باب ابن شهاب في حديث التنزيل.
وروى عن مجاهد أيضا في هذه الآية قال: يجلسه على العرش. وهذا تأويل غير مستحيل، لان الله تعالى كان قبل خلقه الأشياء كلها والعرش قائما بذاته، ثم خلق الأشياء من غير حاجة إليها، بل إظهارا لقدرته وحكمته، وليعرف وجوده وتوحيده وكمال قدرته وعلمه بكل أفعاله المحكمة، وخلق لنفسه عرشا استوى عليه كما شاء من غير أن صار له مماسا، أو كان العرش له مكانا. قيل: هو الآن على الصفة التي كان عليها من قبل أن يخلق المكان والزمان، فعلى هذا القول سواء في الجواز أقعد محمد على العرش أو على الأرض، لان استواء الله تعالى على العرش ليس بمعنى الانتقال والزوال وتحويل الأحوال من القيام والقعود والحال التي تشغل العرش، بل هو مستو على عرشه كما أخبر عن نفسه بلا كيف. وليس إقعاده محمدا على العرش موجبا له صفة الربوبية أو مخرجا له عن صفة العبودية، بل هو رفع لمحله وتشريف له على خلقه. وأما قوله في الاخبار: «معه» فهو بمنزلة قوله: {إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ}، و{رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ}. {وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} ونحو ذلك. كل ذلك عائد إلى الرتبة والمنزلة والحظوة والدرجة الرفيعة، لا إلى المكان.
الرابع- إخراجه من النار بشفاعته من يخرج، قاله جابر بن عبد الله. ذكره مسلم. وقد ذكرناه في كتاب التذكرة والله الموفق.
السادسة: اختلف العلماء في كون القيام بالليل سببا للمقام المحمود على قولين: أحدهما: أن البارئ تعالى يجعل ما شاء من فعله سببا لفضله من غير معرفه بوجه الحكمة فيه، أو بمعرفة وجه الحكمة.
الثاني: أن قيام الليل فيه الخلوة مع البارئ والمناجاة دون الناس، فأعطى الخلوة به ومناجاته في قيامه وهو المقام المحمود. ويتفاضل فيه الخلق بحسب درجاتهم، فأجلهم فيه درجة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فإنه يعطى ما لا يعطى أحد ويشفع ما لا يشفع أحد. و{عَسى} من الله عز وجل واجبة. و{مَقاماً} نصب على الظرف. أي في مقام أو إلى مقام. وذكر الطبري عن أبى هريرة أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم قال: «المقام المحمود هو المقام الذي أشفع فيه لامتي». فالمقام الموضع الذي يقوم فيه الإنسان للأمور الجليلة كالمقامات بين يدي الملوك.